عبد الوهاب الشعراني
48
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
وكان يقول لو تعلمون ما أنتم راءون بعد الموت ، ما أكلتم طعاما وما شربتم ماء عن شهوة ووددت أنى شجرة تعضد ثم تؤكل وكان يقول أدركت الناس ورقا لا شوك فيه فأصبحوا شوكا لا ورق فيه وكان رضي اللّه عنه يقول إن الذين ألسنتهم رطبة من ذلك اللّه عزّ وجل يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك . قلت : والمراد بالرطبة عدم الغفلة فإن القلب إذا غفل يبس اللسان وخرج عن كونه رطبا ، وكان يقول لا تبغض من أخيك المسلم إذا عصى ، إلا عمله فإذا تركه فهو أخوك وكان رضي اللّه عنه يقول نعم صومعة الرجل المسلم بيته ، يكف لسانه وفرجه وبصره . وقالت أم الدرداء له إن احتجت بعدك أفآكل الصدقة ؟ قال لا اعملي وكلي فإن ضعفت عن العمل فالتقطي السنبل ولا تأكلي الصدقة ، وخطبها معاوية فأبت وقالت لا أغير على أبي الدرداء . وكان أبو الدرداء رضي اللّه عنه لم يزل يدفع الدنيا بالراحتين ويقول إليك عني ، وكان يقول لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت نفسه في جانب اللّه أشد المقت ، وكان يقول ما في المؤمن بضعة أحب إلى اللّه من لسانه فليحفظه لئلا يدخله النار ، وكان رضي اللّه عنه يقول إنا لنضحك في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم ، وكان يقول إذا تغير أخوك واعوج فلا تتركه لأجل ذلك فإن الأخ يعوج مرة ويستقيم أخرى . وكان هذا مذهب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه والنخعي وجماعة لا يهجرون عند الذنب ، ويقولون لا تحدثوا بزلة العالم فإنه يزل الزلة ثم يتركها ، وكانت زوجته أم الدرداء تقول : طلبت العبادة في كل شيء فما وجدت شيئا أشفى لصدري ولا أفضل من مجالس الذكر ، فكانوا يحضرون عندها فيذكرون فتذكر معهم ، وأرسلت إلى نوف البكالي وهو يعظ الناس تقول له اتق اللّه ولتكن موعظتك لنفسك ، واللّه أعلم . 17 - ومنهم : عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما : كان من عباد الصحابة وزهادهم لم يضع لبنة على لبنة ولا غرس شجرة منذ مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكان رضي اللّه عنه يقول يا ابن آدم صاحب الدنيا ببدنك وفارقها بقلبك وهمتك ، وكان رضي اللّه عنه يقول لا يكون الرجل من أهل العلم حتى لا يحسد من فوقه ولا يحقر من تحته ولا يبتغي بالعلم ثمنا ، واللّه أعلم .